انتقدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية طريقة تعامل أجهزة الدولة مع وقائع العنف الطائفي التي شهدتها قرية تل القبلية التابعة لمركز المنيا، أول أمس الأربعاء 8 يوليو الجاري، على خلفية ممارسة أقباط القرية لشعائرهم الدينية داخل مبنى كنسي طالما استعمل في إقامة الشعائر المسيحية بمعرفة كل من الجهات الرسمية وأهالي القرية المسلمين. ووقعت الاعتداءات بالرغم من إخطار كاهن الكنيسة القس بافلوس كمال للجهات الأمنية بوجود تحريض ومضايقات خلال فترات سابقة أثناء إقامة الشعائر الدينية، دون أن تتدخل تلك الجهات استباقيًا لمنع الاعتداءات.
كانت قرية التل القبلية قد شهدت توترات طائفية أول أمس، حيث حاصر العشرات المبنى الكنسي، ورشقوا أبواب ونوافذ بعض منازل المسيحيين بالحجارة، وهم يرددون هتافات تحريضية؛ كما قاموا بتهشيم زجاج سيارة القس بافلوس أسفل المنزل، ما أسفر عن عدة إصابات بجروح سطحية، وفقًا للشهادات التي حصلت عليها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
فور وقوع الأحداث، نشر الأنبا مكاريوس تغريدة على موقع إكس (تويتر سابقًا) يطالب أجهزة الأمن بسرعة التدخل لمنع تفاقم الاعتداءات، وهو ما أكده في إفادة تليفونية مع باحثي المبادرة المصرية، مشيرًا إلى وجود توترات سابقة على اعتداءات الأمس. وانتقلت الأجهزة الأمنية بعدها إلى القرية، وألقت القبض على عدد غير معلوم من مسلمي القرية وأربعة من المسيحيين، هم: عيسى زكريا وماجد زكريا وبباوي سعد وأمير مكرم، بحسب إفادات المصادر.
وتؤكد المبادرة المصرية أن مطالب أهالي قرية التل القبلية مكفولة دستوريًا، مشيرة إلى أنه بالرغم من بعض الخطوات الإيجابية المتخذة في إطار تطبيق قانون بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016، إلا أنه لم يحقق هدفه المعلن وهو ضمان بناء وترميم الكنائس بسهولة ودون إجراءات إدارية معقدة، وبما يساعد في تفادي تكرار وقائع العنف الطائفي التي ارتبطت في أحيانٍ كثيرة بالتعسُّف في تنظيم بناء الكنائس بشكل منهجي ومؤسسي. وعلى مدار ما يزيد عن عقدين، تقوم المبادرة المصرية بتوثيق الانتهاكات المرتبطة بممارسة الشعائر الدينية للمسيحيين، حيث حذرت مرارًا من أن القانون الحالي يضع العراقيل خصوصًا في المحافظات والقرى التي يعاني المسيحيون فيها من غياب دور العبادة. وتضيف المبادرة المصرية أن مؤسسات الدولة مسؤولة عن تطبيق القانون دون تمييز، واحترام الشعائر الدينية لجميع مواطنيها.
وتُطالب المبادرة المصرية بتسهيل الإجراءات لتقنين وضع الكنيسة وضمان استمرار إقامة الشعائر الدينية بحرية وأمان، مع الإفراج الفوري عن المسيحيين الأربعة المُحتَجَزين، ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف. كما تجدد المبادرة المصرية مطلبها بإعادة النظر في قانون بناء الكنائس الذي لم يحل كل الصعوبات القانونية والإجرائية، وإصدار قرار من رئيس مجلس الوزراء بتقنين جميع الكنائس التي تقام بها الشعائر الدينية والتي قدمت أوراق توفيق أوضاعها إلى لجنة تقنين أوضاع الكنائس دون البت فيها.
بيان وقائع الاعتداءات
على مدار سنوات ظلّت قرية التل القبلية دون كنيسة يُمكن لقاطنيها المسيحيين الصلاة فيها وممارسة طقوسهم الدينية وأنشطتهم المجتمعية الأخرى، مثل فصول مدارس الأحد وغيرها. ووفقًا لإفادة أحد أهالي القرية لباحثي المبادرة المصرية، فإن غياب الكنيسة يضطر أهالي القرية إلى التنقل لمسافات بعيدة لحضور الطقوس الدينية المهمة -مثل صلوات الأعياد- في كنائس بقرى مُحيطة، ما يتسبب في التزاحم على أماكن الصلاة، وتحمل أقباط القرية لمشقة الانتقال وتكلفته. وللتعامل مع هذا الوضع، بدأ أهالي القرية المسيحيون في نظيم الصلاة والقداسات الاعتيادية في منازلهم بالتبادل. غير أن ذلك أثّر على قدرة بعضهم على المواظبة على الصلاة بسبب اختلاف مسافات التنقل الضرورية كل مرة، ما دفع الأهالي لاتخاذ أحد المباني الموجودة وسط بيوتهم كنيسةً لهم، بمعرفة الجهات الأمنية وأهالي القرية المسلمين.
بدأت التوترات الأخيرة بعدما توقفت سيارة نقل تابعة للكنيسة أمام منزل أمين الشرطة المُقيم بالقرية، الذي دخل في مُشادّة كلامية مع أحد أهالي القرية المسيحيين الذي كان برفقة سائق السيارة، معترضًا على وجودها أمام باب منزله. استمرت المُشادة الكلامية حتى وصل أحد أقاربه إلى المكان، وتدخل في المُشادة، وعندها تحول الموقف من مجرد اعتداء لفظي صادر من أمين الشرطة على الاثنين إلى اعتداء بدني جماعي مارسه عدد من المسلمين الموجودين في مكان الاعتداء على الشخص الثاني. ومع محاولة تدخل آخرين من أقارب الشخصين المسيحيين، تعرضوا لإصابات واعتداءات أخرى. وبالتوازي مع ذلك، بدأت نساء القرية المسلمات بالتوافد إلى مكان المشاجرة، ورشقن منازل مسيحيي القرية بالحجارة، والتي كان من بينها مبنى الكنيسة، بينما تم قطع التيار الكهربائي عن المنطقة. وأسفرت الاعتداءات عن عدد من الإصابات السطحية وكذلك تهشيم زجاج سيارة القس بافلوس كمال كاهن القرية وعدد من نوافذ المنازل.
اتصل أقباط القرية بشرطة النجدة، ولكنها لم تتمكن من السيطرة على الوضع عند وصولها. وبعدما نشر الأنبا مكاريوس، أسقف إيبارشية المنيا، تغريدة على موقع إكس (تويتر سابقًا) للاستغاثة، حضر مدير أمن المنيا وسيارات التدخل السريع والأمن المركزي. وألقي القبض على مجموعة من المعتدين، وكذلك على أربعة من مسيحيي القرية منهم اثنان تعرضا للاعتداء بالسب والضرب، وواحد تعرضت زوجته للضرب أيضًا، ورابع أثناء قيامه بتصوير الأحداث.
ورغم الوعد الذي تلقته أسرر المُحتَجَزين الأربعة بإخلاء سبيلهم فور سماع أقوالهم أمام النيابة، فإنهم لا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن بمركز شرطة المنيا . تحديث: بعد احتجازهم لمدة يومين، أُفرِج عن المسيحيين الأربعة المُحتَجَزين فجر اليوم، 10 يوليو 2026، بعد تنازلهم عن المحضر الذي حرروه.
ووفقًا للإفادة الواردة للمبادرة المصرية من أحد أهالي القرية، فإن أحداث أول أمس لم تكُن الأولى ولم تأتِ بدون مُقدِمات. فمنذُ بدء الصلاة في مبنى الكنيسة تعرّض أهالي القرية المسيحيون بشكل مُتكرر لمضايقات من جيرانهم المسلمين أثناء الصلاة. وقد أبلغ أهالي القرية الجهات الرسمية عما كانوا يتعرضون له دون استجابة. وهو ما ذكره أيضًا الأنبا مكاريوس مُطران المنيا في تغريدته الأولى أول أمس.
لم يطلب مسيحيو قرية التل القبلية سوى حقهم المشروع في إقامة شعائرهم الدينية بكنيسة في قريتهم. وكما قال أحد أهالي القرية: “عيالنا من حقهم يتعلموا كلمة ربنا وهما في السن ده. عايزين نوديهم مدارس أحد، عايزينهم يلاقوا مكان يلعبوا فيه ويلاقوا أصحاب، ومكان يحتضنهم”. ولكن أهالي التل القبلية يشعرون حاليًا بالخوف في قلب بيوتهم وفي شوارع قريتهم، رغم الانتشار الأمني المُكثف في كافة شوارع القرية.
________________________
