حنان فكري ـ وطني ـ
الدين أوسع من تيشيرت، وأعمق من رسم وملصق. وأطهر من أن يتحول إلى شعار على قميص، ووسيلة لفرز المصريين إلى طوائف ومراتب. والتاريخ أقوى من أن يستدعى أحد صفحاته ليرسمها على الملابس التي يرتديها الناس، ثم يطلب منا أن نتعامل معها باعتبارها مجرد «موضة».
من هنا بدأت الحكاية، حكاية«جوبا» تلك العلامة التجارية التي ظهرت في إعلانات لها على مواقع التواصل الاجتماعي، ملابس تحمل عبارات ورسومات ذات طابع ديني وتاريخي، نشرت الإعلانات صورًا لقمصان و «تي شيرتات» تحمل أسماء شخصيات من التاريخ الإسلامي، وعبارات عن الغزوات، إلى جانب رسوم للسيوف والأسلحة. ومن بين العبارات «عمرو بن العاص عظيم مصر»، وعبارة «إما أن تسلموا وإما الجزية»!، إلى جانب عبارات أخرى مرتبطة بشخصيات وروايات من التاريخ الإسلامي، وكأنه يشهر التاريخ سلاحًا في وجه الحاضر.
الفارق واضح جدًا بين من يريد التجارة والبيع، فيعرف كيف يجذب العين لمنتجاته، ومن يريد استفزاز الآخرين، فهو يعرف أين يضغط. ومن يريد أن يصنع معركة، يكفيه أحيانًا شعار واحد. لكن المسألة قد تكون أعمق من صاحب متجر. نحن أمام سوق جديدة للأفكار. سوق لا تحتاج إلى منبر. ولا إلى مسجد. ولا إلى صحيفة. يكفي هاتف، وصورة، وشعار، ثم تبدأ العدوى. وقد يكون الأمر عند صاحبه مجرد تجارة. وقد يكون وراؤه تصور أيديولوجي. وقد يكون خليطًا من التاريخ والهوية والتسويق وسوء تقدير أثر الرسالة.
لكن المؤكد أن اللعب بالرموز الدينية في مجتمع متنوع ليس لعبة بريئة دائمًا. فالكلمة قد تجر كلمة. والرمز قد يستدعى رمزًا. والشعار قد يوقظ خصومة، أو فتنة نامت طويلاً.لم تتوقف الأمور هنا، إذ انفجر الجدل. وتفاوتت قراءة المتابعين لإعلانات الـ «تي شيرتات»، فمنهم من اعتبرها موضة! ومنهم من اعتبرها رسوما وعبارات تحريضية تهدد سلام المجتمع، الأمر الذي دفع خمسة محامين للتقدم ببلاغات طالبوا فيها بفحص الصفحة والمنتجات، وبيان مدى مخالفتها للقانون. مستندين إلى المادة 29 من قانون الإجراءات الجنائية بشأن الإبلاغ عن الجرائم، وشددوا على أن المسألة تجاوزت التعبير الديني إلى محتوى قد يحمل تمييزًا على أساس الدين، أو دعوات إلى العنف، أو إساءة إلى الهوية المدنية المصرية.
لكن في المقابل، أعلنت صفحة «جوبا» رفضها لهذه الاتهامات، وتأكيدها أن التصميمات تأتى في إطار فني وتاريخي وثقافي، وأنها لا تحمل دلالات سياسية أو أيديولوجية، ولا ترتبط بالعنف أو بأي جماعة أو تنظيم.
ومع تصاعد الجدل والبلاغات، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على صاحب المتجر الإلكتروني «جوبا ستور»، من منزله في القناطر الخيرية. وحتى تاريخ كتابة هذه السطور لم يرد جديد عما توصلت إليه التحقيقات، ولأن الاتهام ليس حكمًا فنحن لا نناقش هنا إدانة أو تبرئة المتهم، لكننا نفتش عن الأسباب، فلماذا الغزوات والسيوف؟
لماذا نؤسس علاقة تطبيع بين عقول وعيون الناس من جهة وأدوات العنف والكراهية والتحريض من جهة أخرى، فحينما نستدعى المعارك والحروب إلى صدور الناس في الشوارع، فهذا تحريض، بل وتطبيع للفرز، فهل يمكن أن يرتدى شاب مسيحي تيشيرتًا يحمل عبارات دفع الجزية مثلا، أو قميصًا مرسومًا عليه معركة من التاريخ الإسلامي؟ بالتأكيد لا.
وبعد فترة سوف نجد أنفسنا أمام أداة فرز قوية، فرز بالعين، بالملابس، مثلما حدث مع الفتيات، الفرز بحجاب الشعر، هل يخدم ذلك استقرار المجتمع؟ هل يصنع ألفة ومحبة بين طوائفه؟ هل يمكن الاطمئنان لكل من يرتدى الملابس التي تحمل تلك المطبوعات، أم سيتحول ارتداؤها إلى لغة تعارف وتجميع وانضمام لكل من يحمل ذات الرغبة في الإفصاح عن أفكار يعلنها عبر قميص يرتديه. ثم نجد غدًا موضة ثانية وربما ثالثة، وكل منها يحمل فكرة يجتمع حولها معتنقوها عبر علامة مميزة.
والكارثة الحقيقية أن جانبًا من المجتمع لا يميّز ولا يقول لا في وجه مستخدمي الدين في كل زمان، فمتى يلفظ المجتمع أولئك المتلاعبين بمصيره، ولا يسمح لكل فقاعة دينية أن تكبر حتى تنفجر في وجهه. فقد ظهرت من قبل ملصقات على السيارات. ثم ظهرت شعارات على الجدران. واليوم تظهر على الملابس. وغدًا قد تظهر في أشكال أخرى. المشكلة ليست في الرسم على الـ «تي شيرت». المشكلة تبدأ عندما يتحول الـ «تي شيرت» إلى راية حرب باسم الدين.
______________________________
