In In Arabic - بالعربي, Uncategorized

اسحق ابراهيم ـ مركز التحرير ـ

شهدت دول شمال افريقيا تغيّرات سياسية كبيرة منذ العام 2011، وذلك عقب الثورات والحركات الاحتجاجية الواسعة التي وُضعت على إثرها دساتير جديدة تؤكد على حماية حقوق المواطنين وفي مقدمتها حريات العقيدة والرأي والتعبير. وبالرغم من ذلك، لا تزال القوانين المتعلقة بالتجديف وازدراء الأديان تُستخدم على نطاق واسع لملاحقة الأقليات الدينية، وخصوصًا غير المعترف بها، بالإضافة إلى قطاع من المسلمين ممّن ينتمون إلى المذهب السائد ولكنْ يحملون آراءً مختلفة عن تلك التي تدعمها الأنظمة السياسية الحاكمة أو المؤسسات الدينية الرسمية. 

مؤخراً، تزايدت المطالب الرسمية والشعبية المطالبة بتغليظ العقوبات في قضايا ازدراء الأديان وبسنّ تشريعٍ دوليٍّيُجرّم التعرض للأديان ورموزها وقيمها، وذلك عقب حادث الذبح الذي تعرض له المعلم الفرنسي صمويل باتي لعرضه رسوماً اعتبرت مسيئة للنبي محمد على طلاب إحدى المدارس، إذ تضمّنت بيانات شجب هذه الواقعة مطالب دولية بتجريم ازدراء الأديان. 

هذا وقد عُقدت العديدُ من المحاكمات في مصر وتونس والمغرب والجزائر لمتهمين بازدراء الإسلام صدرت بشأنهم أحكامٌ بالسجن في محاكماتٍ افتقرت لضمانات المحاكمة العادلة. فخلال العام الحالي 2020، قضت محاكم المختلفة في مصر بالسجن لسبعة متهمين في خمس قضايا منفصلة، منهم اثنان ينتميان إلى المذهب الشيعي، علاوةً على قيام النيابة العامة بالتحقيق في أربعة عشر قضية صدرت خلالها قرارات بالحبس على ذمة التحقيقات. وتضمنت قائمة المتهمين مسيحيين وشيعةً وقرآنيًا ومسلمين من المذهب السني السائد. هذا وتعرّض عدد من المتهمين لعقوبات إدارية من جهات العمل التي يتبعون لها شملت إيقافهم عن العمل أو الخصم من مستحقاتهمالمالية. كما رُفعت عدد من الدعاوى أمام المحاكم الإدارية لمنع ظهور بعض المنتمين لأقليات دينية مثل الشيعة والملحدين على القنوات الفضائية.  

وعلى الرغم من التطورات الإيجابية في تونس منذ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي في يناير 2011، إلا أنه لا تزال الكثير من المجتمعات الدينية هناك تكافح ضد إرث سنوات طويلة من التمييز. إذ تواجه مجموعات مثل البهائيين قيودًا كثيرة على سبيل المثال، فقد سلط المقرّر الخاص لحرية الدين أو المعتقد د. أحمد شهيد الذي زار تونس في إبريل 2018 الضوء على حوادث المضايقات أو الإكراه الموجهة ضد المتحولين عن الإسلام والتهديدات ضد الملحدين والقيود على البهائيين.

في يوليو 2020، أصدرت محكمة ابتدائية في تونس حكماً بالسجن 6 أشهر بحق المدونة التونسية آمنة الشرقاوي وذلك بتهمة الدعوة والتحريض على الكراهية بين الأديان والأجناس، بالإضافة إلى تغريمها مبلغ ألفي دينار تونسي،بما يعادل 700 دولار أمريكي، بسبب نشرها قصيدة بعنوان “كورونا” اُعتُبر أنها تحاكي بعض آيات القرآن وذلك عبر حسابها الشخصي في موقع فيس بوك.

هذا واستهدفت السلطة التونسية المتحولين إلى المسيحية في حوادث متعددة خلال السنوات الأخيرة. ففي عام2016، استجوبت قوات مكافحة الإرهاب مجموعةً من المسيحيين من أصول مختلفة (جزائريين ومصريين وتونسيين) بسبب خوضهم فيما بينهم في أمور تخص الدين في أحد المقاهي. وفي فبراير 2020، أُلقي القبض على مجموعة من المبشرين الأجانب ل، في حين تم الحكم على شابين تونسيين بالسجن لسبع سنوات ونصف لنشرهما رسومًا كاريكاتيرية للنبي محمد على موقع فيسبوك، وذلك استنادًا إلى المادة 121 (3) في القانون الجنائي المتعلقة بنشر مواد من شأنها أن تسبب الضرر للنظام العام أو الأخلاق العامة.

وفي المغرب، قضت محكمة الاستئناف في أسفي يوم 14 يوليو 2020 بسجن محمد عواطف قشقاش 6 أشهر نافذةًوغرامة مالية قدرها 3 آلاف درهم (330 دولار) وذلك بتهمة الإساءة إلى الدّين الإسلامي. وقد ذكرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن نفس المحكمة في أسفي قد سجنت ناشطاً أخر لمدة 3 أشهر نافذةً بنفس التهمة المُتعلقة بالإساءة إلى الدّين الإسلامي. وكانت المُديرية العامة للأمن الوطني قد أبدت حماساً عالياً في بلاغات صحفية لاعتقال أشخاص أطلقوا ما يدعى بـ (سورة كورونا) وذلك بدعوى تحريف القرآن. وفي مايو 2020، أعلنتمديرية الأمن اعتقال الممثل رفيق بوبكر بدعوى الإساءة إلى الدين الإسلامي بعد دفعه غرامة مالية قدرها 5 آلاف درهم (550 دولار).

في الجزائر، وفي 8 أكتوبر 2020، حكمت محكمة مدينة خنشلة (مدينة في الشرق الجزائري) على ياسين مباركي (52عاما)، وهو ناشط في الحراك ومناضل أمازيغي، بالسجن 10 سنوات وغرامة قدرها مليون دينار جزائري بتهمة التحريض على الإلحاد والمساس بالمعلوم من الدين والنيل من الوحدة الوطنية. بينما قُدّم أكثر من 315 أحمديًا في الجزائر للمحاكمة بين يونيو 2016 ومارس 2018 بتهمة إهانة الإسلام أو جمع تبرعات دون ترخيص. وفي عام 2019، استأنف ثلاثة على الأقل من أتباع الطائفة الأحمدية اتهامات بالحبس، كما صدر حكم سليمان بوحفص في أغسطس2016، وهو مسيحي إنجيلي، بالسجن 5 سنوات ودفع غرامة قدرها 100 ألف دينار (حوالي 900 دولار أمريكي) بتهمة إهانة الإسلام ونبيّه. وبعد تقديمه للاستئناف، خُفِّضت عقوبة بوحفص بالسجن إلى ثلاث سنوات وأسقطت الغرامة.

تُعدُّ السودان من البلدان القليلة في العالم التي تمّ فيها إعدام أشخاص رسميًا بتهمة الردة في العصر الحديث. ففي عام 1985، تم إعدام محمود محمد طه، وهو زعيم سياسي مسلم معتدل – كان قد عارض قيام حكومة الرئيس جعفر النميري بتطبيق الشريعة – باعتباره مرتدًا. وخلال الفترة ما بين عامي 1968 و 2017 وجهت في 15 حالة تهمة الردة لحوالي 155 سوداني تطابقت فيها الدوافع والأسباب السياسية للحرمان من الحقوق، حيث ارتبط الاتهام بفرض نمطٍ محدّدٍ من الإسلام يماشي نهج السلطة. ومن أشهر هذه القضايا تلك الخاصة بالحكم على مريم يحيى إبراهيم في مايو 2014 بالإعدام بتهمة الردة بعد رفضها التخلي عن إيمانها المسيحي، حيث كان والدها مسلمًا لكنها نشأت مسيحية منذ سن السادسة. وقد ألغت محكمة الاستئناف السودانية الحكم الصادر ضدها في يونيو 2014.

التجريم القانوني لازدراء الأديان 

تتضمن القوانين الجنائية في دول شمال افريقيا موادَّ قانونيّةً متشابهةً في صياغتها تجرّم الإساءة إلى الأديان ونقدها،ماعدا تونس التي لا تنصّ صراحةً على ذلك وإن استخدمت موادَّ قانونية أخرى لنفس الغرض. وتتنوّع العقوبات في هذه القوانين ما بين الغرامة والسجن الذي قد يصل إلى خمس سنوات. 

السودان هي الدولة الوحيدة التي شهدت تحسنًا في مناخ الحرية الدينية بشكل ملحوظ في عامي 2019 و2020 على الرغم من استمرار التحديات الخطيرة بهذا الصدد، وذلك عقب الإطاحة بالرئيس عمر البشير من السلطة في أبريل من العام نفسه وتنصيب حكومة انتقالية. حيث تم إلغاء قانون النظام العام الذي يفرض قيودًا على الحريات العامة ويخضعها للشريعة الإسلامية، كما ألغيت في يوليو 2020 المادة 26 من قانون العقوبات السوداني التي تُجرّم الردةوالتي كانت تنصُّ على أنَّ أي مسلم يعلن علانية أنه يعتنق أي دين آخر غير الإسلام يرتكب جريمة الردة ويعاقب عليهابالإعدام. وقد حوكم بهذه المادة عددٌ من المفكرين الذين كان لهم موقفٌ من نمط الإسلام الرسمي للدولة. 

وبالرغم من هذا التحسن، إلّا أن مادة ازدراء الأديان لا تزال موجودة بموجب القانون السوداني. إذ تنصُّ المادة 25 على التالي: “من يسُبُّ علناً أو يُهين بأي طريقة أياً من الأديان أو شعائرها أو معتقداتها أو مقدساتها أو يعمل على إثارة شعور الاحتقار والزراية بمعتنقيها يُعاقبُ بالسجن مدةً لا تتجاوز 6 أشهر أو بالغرامة أو بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة.” هذا وقد أُلغيت عقوبة الجلد من النّظام القانوني السوداني.

في مصر، يُحاكَم المتّهمون بازدراء الأديان استناداً إلى ثلاث موادّ في قانون العقوبات. فالمادة 160 تتناول بالتجريم أفعال التشويش على إقامة الشعائر والاحتفالات الدينية والتخريب والتكسير للمباني المعدّة لإقامة الصلوات الدينية أو للرموز التي لها حرمةٌ عند أبناء ملّةٍ أو فريقٍ من الناس. أما المادة 161 فتتناول تجريم طبع أو نشر كتاب مقدّسٍ في نظر أهل دين من الأديان التي تُؤدَّى شعائرُها علناً إذا حُرِّفَ نصُّ هذا الكتاب، وكذلك تجريم تقليد احتفال ديني في مكان عمومي بقصد السخرية به أو ليتفرج عليه الحضور.

المادة 98 (و) هي الأكثر استخداماً من جانب النيابة العامة والقضاة في مصر، وهي المادة التي عرفت بمادة “ازدراء الأديان“. وتنصّ على أنّه “يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تتجاوز 5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه (32 دولار) ولا تتجاوز ألف جنيه كلُّ من استغل الدِّين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة، أو التحقير، أو ازدراء أحد الأديان السماوية، أو الطوائف المنتمية إليها، أو الضرر بالوحدة الوطنية أو بالسلَّم الاجتماعي.” 

 لا توجد قوانين تُدين التجديف وتشويه صورة الأديان أو المقدّسات في تونس. ومع ذلك، ومنذ الثورة في 2010، تم الاستشهاد في بعض الحالات بالمواد 121 (3) و226 و 226 مكرّر في القانون الجنائي والخاصة بالإساءة إلى النظام العام والآداب والأخلاق الحميدة لإدانة السلوكيات التي يُنظر إليها على أنها تتعارض مع المعتقدات الإسلامية أو الكلام الذي يُعتبر مسيئًا للمشاعر الدينيّة. وتُعتبر حماية المقدّسات أوالتحريض على الكراهية من الموضوعات التي لا يُطبَّقُ فيها القانون بشكل متساوٍ، حيث تُطبَّقُ القوانين لحماية الدين الإسلاميّ.

في المغرب، ينص الفصل 267- الفقرة 5 – من القانون الجنائي على أنه: “يُعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين وبغرامة من 20 ألف إلى 200 ألف درهم (2176 دولار– 21769 دولار أمريكي)، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلُّ من أساء إلى الدين الإسلاميّ أو النظام الملكي أو حَرَّض ضد الوحدة الترابية للمملكة.” وتُرفع العقوبة بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة 50 ألف إلى 500 ألف درهم (5442 دولار– 54424 دولار أمريكي) إذا ارتُكبت الأفعال المشار إليها بواسطة إلقاء الخُطب في الأماكن والتجمعات العامّة أو بواسطة وضع الملصقات أو بواسطة ممارسة البيع أو التوزيع أو بواسطة كل وسيلة تحقق شرط العلنيّة، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية والورقية والسمعية والبصرية. كما تَنصُّ الفقرة الثانية من الفصل 220 من القانون الجنائي على أنّه يُعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مئة إلى خمسمئة درهم كل من يستعمل وسائل الإغراء/الترغيب لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى.

أمّا في الجزائر، فلا يتضمن النظام القانوني أية إشارات إلى جريمة الردة. لكن فيما يَخُصُّ الجرائم المتعلقة بالدين،تَنصُّ المادة 144 مكرر (2) من قانون العقوبات على أن أي شخص يهين النبي ورسل الله، أو ينتهك العقيدة أو أنبياء الإسلام، من خلال الكتابة أو الرسم أو الإعلان أو أي وسيلة أخرى، يُعاقب بالسجن من ثلاث إلى خمس سنوات، و/أو يتعرض لغرامة تتراوح بين 50 ألف و 100 ألف دينار جزائري (حوالي 386 دولار إلى 772 دولار أمريكي). 

سمات قوانين التجديف ومحاكمات ازدراء الأديان

من خلال استعراض النصوص القانونية المستخدمة في تجريم ازدراء الأديان في دول شمال افريقيا، وكذلك المحاكمات التي تشهدها دول المنطقة، نجدها تشترك في عدد من الملامح، وهي:

عولمة ازدراء الأديان

١ـ افتقار القوانين المتعلّقة بازدراء الأديان إلى تعريفات واضحة ومحددة، مِمَّا يجعلها عرضةً للتلاعب والتطبيق غير المنضبط. إذ تتضمّن هذه المواد كلمات مطاطة غير محكمة تؤدّي إلى غموض النص، منها: الأفكار المتطرفة، والاستغلال، والازدراء، والتحقير، والتشويش، والمُقدَّسات، إلخ. ويعطي هذا الغموض مساحةً كبيرةً للمحاكم في تفسير المعنى والتوسّع في السلطة التقديرية الممنوحة لها، ما يترتب عليه صدور أحكام متفاوتة في قضايا تبدو متشابهة. كما يتيح محاكمة المُتَّهم على أساس القيم وليس على أساس النماذج الإجرامية.

٢ـ تفضيل الإسلام على الديانات والعقائد الأخرى. ففي عددٍ من الدول، كان النص واضحًا بأن المقصود بالحماية هو الإسلام بعينه. بينما، وفي عدد من الدول الأخرى ومنها مصر، اُستُخدم التجريم لحماية الأديان السماوية(الإسلام والمسيحية واليهودية). لكن في التطبيق العملي نادرًا ما تُستخدم هذه القوانين ضد متهمين بازدراء المسيحيّة أو اليهوديّة، إذ تَحفُلُ وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية بخطابات تُسفّههما وتنتقص منهما.

٣ـ أدّى التطبيق الانتقائي لقوانين ازدراء الأديان إلى أن تصبح الأقليّات الدينية غالباً مستهدفةً حتى بدون أرتكاب أية أفعال مؤثمة قانونًا، مثل الشيعة والقرآنيين والمسيحيين في مصر والبهائيين في تونس والمتحولين للمسيحية والشيعة والأحمديين في الجزائر والمغرب.

٤ـ في الكثير من الحالات، كان يتم توقيف المتهمين أو القبض عليهم بشكل تعسّفي، وذلك بناءً على اتّهامات زائفةٍ أو لتسوية نزاعاتٍ صغيرةٍ أو لتحقيق مكاسب سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ، حيث عمل متشددون على إساءة استخدام قوانين ازدراء الأديان لتبرير الاعتداءات على الأقليّات الدينية، بما يغذي بيئة من التعصّب يُمارَس فيها كلٌّ من التهاون و التمييز الديني.

٥ـ تحمل قوانين ازدراء الأديان في طبيعتها أصولية دينية، ويُستخدم هذا التجريم في محاربة أصحاب الآراء المستنيرة وتهديد الكُتَّاب والمفكرين والباحثين الذين لديهم رؤىً تخالف ما هو سائد من تراثٍ وتعاليم دينية. 

٦ـ تعكس الأحكام الصادرة بحق المتهمين تجاهل منظومة العدالة للمواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان واستبعاد الشرعية الدولية كمرجعية قانونية، مُفضِّلةً بذلك القيود الموجودة في القوانين المحلية. فقد اقترنت هذه المحاكمات بالاعتداء على حقوق أساسية منها حرية الدين أو المعتقد، وحرية الرأي والتعبير، وضمانات المحاكمة العادلة.

تُعتبر حرية التعبير الدٌيني من الموضوعات المثيرة للجدل على المستوى الدولي. فقد بذلت الدول الإسلامية جهودًا حثيثة بهدف تجريم ما يسمى بتشويه صورة الأديان، كما طالبت الحكومات والمؤسسات الدينية فيها الأمم المتحدة مرارًا بوضع قانون دولي لتجريم ازدراء الأديان.

 تجددت هذه الدعاوى مؤخراً عقب الأحداث التي شهدتها فرنسا خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث أعلن مجلس حكماء المسلمين والذي يرأسه شيخ الأزهر د. أحمد الطيب عن مقاضاة المسيئين للإسلام، كما ندَّد بالاستهزاء بالمقدسات تحت شعار حرية التعبير ودعا المجتمع الدولي إلى إقرار تشريع عالمي يُجرِّم معاداة المسلمين والتمييز ضدهم. 

تستند هذه المطالب بتجريم ازدراء الأديان إلى مزاعم متعدِّدة أهمُّها حماية الأديان ومشاعر المؤمنين بها، والدفاع عن الأقليّات الدينية وحمايتها من الممارسات العنصرية وخطاب التحريض على الكراهية، والحاجة الدوليّة إلى معالجة آثار ظاهرة الإسلاموفوبيا، والتضارب بين حريّة النقد اللّاذع للأديان والحفاظ على التّماسك الاجتماعي والانسجام بين الطوائف الدينية.

وقد شهدت المحافل الدولية خلال عقد كامل (بين 2001 و2011) معركةً شرسةً بين تيارين: الأول سعى إلى إخضاع الشرعية الدولية للتضييق على الحريات تحت شعار مناهضة الإساءة إلى الأديان والتشهير بها، والثاني دافع أنصارُه عن حقوق الأفراد الأصيلة في حرية المعتقد والتعبير عن الآراء، محذّرين من مخاطر غلبة أنصار الحماية لسلطة الأفكار والجماعات على حساب حقوق الأفراد. وقد قادت منظمة المؤتمر الإسلامي من خلال باكستان ومصر عددًا من المعارك داخل لجنة حقوق الإنسان ومن ثم مجلس حقوق الإنسان التابعَيْن للأمم المتحدة لإقرار قانون مُلزمٍ يُجرِّم التشهير بالأديان وتشويه صورتها.

وقد أصدر مجلس حقوق الإنسان في 21 من مارس 2011 قرارًا بالإجماع بعنوان “مكافحة التعصب والقوالب النمطية السلبية والتمييز والتحريض على العنف والعنف ضد الأشخاص على أساس الدين أو المعتقد“. وخفض القرار من حدة السجال الذي استمر لعشر سنوات داخل المنظمة الدوليّة حول سبل مكافحة خطاب الكراهية وفصل الارتباط بين تحقيق ذلك وبين تشويه الأديان. وبذلك أُغلقت المنافذ أمام الدول الإسلاميّة لتوفير غطاء قانوني دوليّ للنّصوص العقابيّة المحليّة لازدراء الأديان. ودعا القرار الدول إلى تنفيذ تدابير إيجابية لمكافحة التعصّب الدينيّ بدلاً من الضغط من أجل اتخاذ تدابير قانونية للحدّ من النقاش في المجال العام. 

وفي هذا السياق، أكّدت لجنة حقوق الإنسان في التعليق رقم 34 أنّ قوانين التكفير والازدراء تنتهك حقوق الإنسان،فهي تُطَبَّق بشكل تمييزي ضدّ الأقليات والمعارضين للحدّ من النقاش المفتوح. وبدلاً من تعزيز التفاهم المتبادل فإنها تغذّي التمييز والتحريض على العنف، فضلاً عن أعمال العنف باسمها التي ترتكبها جهات فاعلة تابعة للدولة أوغير تابعة لها. كما شدّدت على أنّ الناس هم أصحاب الحقوق وليس الأفكار أو المعتقدات المجرّدة. وفي هذا السياق، يتطلّب القانون الدوليّ من الدّول أن تحترم وتحمي وتعزّز حقوق الأفراد في اعتناق دين أو معتقد وفق اختيارهم .

ختامًا، لا يمكن قراءة قضايا ازدراء الأديان وأحكام الإدانة الصادرة فيها بمعزلٍ عن غيرها من القضايا ذات البعد الاجتماعي، مثل التربّص بآراء المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فهناك تصاعد لنزعة وطنية محافظة في المنطقة تُعبّر عن نفسها بوجود ميلٍ عامٍّ على مستويات عليا في صنع القرار لضبط الممارسات الاجتماعية داخل نمط محافظ وتقليدي وفي إطار إثارة فزع ديني وأخلاقيّ لدى الشعوب. كما أن ازدراء الأديان في النصوص القانونية للبلدان العربية بشكل عام يُستخدم سياسيّاَ، سواءً لقمع الأصوات المعارضة لها، أو لمغازلة النوازع الدينية المتجذرة عند شعوب هذه الدول، إضافة لاحتكار الشأن الديني وتفسيره وفقاً للمؤسسات الدينية الرسمية المعترف بها، لاسيّما في ظل ارتباط أنظمة الحكم في أغلب هذه البلدان بالدين باعتباره مرجعية للحكم. ويشير استمرار هذه الحالات إلى أن النظام السياسيّ، سواءً كان إسلاميًا أو عسكريًا أو مدنيًا، متسامحٌ مع هذه الانتهاكات ويستخدمها لتحقيق جماهيرية لدى المؤسسات الدينية والقطاعات الشعبية المحافظة. 

Recent Posts

Leave a Comment