In In Arabic - بالعربي

إسحق إبراهيم ـ المنصة ـ

يؤكد الدستور في المادة 64 على أن “حرية الاعتقاد مطلقة”، وتُجمِع المؤسسات الرسمية السياسية والدينية على أن حرية المعتقد حق أساسي لكل إنسان لا يجوز الانتقاص منه. لكنَّ هذا الإجماع يتهاوى عند البحث عن معنى حرية المعتقد التي يقصدها المسؤولون في هذه المؤسسات، ويريدون تطبيقها، وحدودها إن وجدت، والتزامات الدولة تجاه ضمان التمتع بها وتعزيزها وعدم العدوان عليها.

يجعلنا ذلك وكأننا أمام مفهومين وتفسيرين مختلفين لهذا الحق، ما ينعكس على استمرار القيود والانتهاكات، سواء التشريعية والمؤسساتية من خلال الدستور والقوانين والسياسات العامة وأداء المسؤولين، أو المجتمعية من خلال الممارسات والصورة الذهنية عند المواطنين عن أقرانهم.

نظرتان للحرية

في هذا السياق، تظهر مفارقة تثير التساؤل والدهشة معًا، إذ يتناول رئيس الجمهورية، أعلى سلطة في البلد، هذه القضية في عدة خطابات منذ عام 2014، كان آخرها خلال احتفالات عيد الشرطة الشهر الماضي، إذ تحدث عن ضرورة احترام حرية المعتقد، كما أكد في عدة مرات سابقة عن احترام حرية المعتقد حتى لغير المنتمين لـ”الأديان السماوية” ولغير المؤمنين، فالأصل أن الإنسان حرٌ في الإيمان من عدمه.

في حين ترى مؤسسات بالدولة حرية المعتقد بطريقة ضيقة وقاصرة، تختزلها في تحسين العلاقات بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، والحد من خطابات التحريض على العنف الديني فقط، أو تحصرها في الاعتقاد الداخلي بداخل النفس أو الضمير دون أن يترتب عليه أي حقوق في الإعلان عن المعتقد أو ممارسته علنًا، بما يمنع صاحبه من إظهار أي مظاهر خارجية لشأنه.

اكتفى المجلس القومي لحقوق الإنسان في التقرير السنوي الصادر مؤخرًا بسرد نص مادتيّ المساواة وحرية الاعتقاد

ويتجلى هذا الاختلاف بين رؤية الرئيس ورؤية المؤسسات في الاستراتجية الوطنية لحقوق الإنسان والتقارير السنوية الصادرة عن اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان.

فحرية المعتقد في هذه التقارير تعني بناء عدد من الكنائس في المدن الجديدة، وتوفيق أوضاع كنائسَ قائمةٍ بالفعل، وترميم الآثار الإسلامية والمسيحية واليهودية والاهتمام بمسار العائلة المقدسة أو آل البيت، وتنظيم بعض الأنشطة التي تنبذ العنف والتطرف وتدعو للتعايش المشترك. وهي خطوات تبدو ظاهريًا جيدة، لكنها تتجاهل البنية التشريعية والسياسات العامة التي تصب في ترسيخ التمييز وعدم المساواة.

وفي نفس السياق، اكتفى المجلس القومي لحقوق الإنسان في تقريره السنوي الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2025 بذكر نص مادتي المساواة وعدم التمييز، وحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية في الدستور، ثم تناول في فقرة واحدة قانون بناء وترميم الكنائس الذي قُننت على أثره أوضاع 3613 كنيسةً ومبنىً تابعًا قائمين من بين 5415، بنسبة 66%، خلال عشر سنوات من صدور القانون، وهو ما يعكس على حد وصف البيان تسارعًا كبيرًا مقارنة بالأرقام السابقة!

نصوص مرنة

لا يعترف الدستور بحقوق غير المنتمين للـ”أديان السماوية” في الحصول على الاعتراف القانوني، مما يتجاوز التضييق على ممارسة شعائرهم الدينية، لتطال الانتهاكات كل أشكال حياتهم الاجتماعية. لا يخفى على أحد حجم معاناة البهائيين على سبيل المثال، من عدم توثيق عقود الزواج والطلاق الخاصة بهم، وهو ما يجعلهم في حالة أقرب إلى “الموت المدني” تلقى بظلالها على أطفالهم.

لذلك أرسل سبعة من المقررينالخواص التابعين لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة خطابًا إلى الحكومة المصرية بشأن تداعيات غياب حقوق البهائيين، خاصةً فيما يتعلق بتخصيص المقابر وإدراج البهائية في خانة الديانة في الأوراق الثبوتية، والاعتراف بالزواج، وهو ما ردت عليه الحكومة المصرية بما وصفته منظمات حقوقية المصرية “ردًا إنشائيًا” اقتصر على الإشارة إلى التزام مصر بواجباتها تجاه مواطنيها وفقًا للدستور والتشريعات الوطنية.

وصل عدد المقبوض عليهم بتهم مرتبطة بالتعبير عن الدين أو المعتقد، من بداية 2025 إلى 52

تعد حملات المطاردة والقبض على اللادينين والملحدين وأصحاب الرؤى المخالفة للسائد من المؤسسات الدينية أحد أبرز الانتهاكات، التي تكشف التباين بين الخطاب الرسمي والممارسات على أرض الواقع، ما يدعونا للتساؤل أيضًا: هل يمكننا أخذ دعاوى تجديد الخطاب الديني بجدية، مع تغييب حرية الفكر وحرية نقد الموروث والعادات والتقاليد بدون خوف أو خشية المحاكمة بمقصلة مادة“ازدراء الأديان” في قانون العقوبات، التي قد تصل العقوبة إلى السجن خمس سنوات والغرامة؟

بداية العام الماضي، وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية هجمة شرسة من الأجهزة الأمنية، افتتحتها بموجة القبض على أتباع دين النور والسلام الأحمدي، ثم بحملة أخرى استهدفت  يوتيوبرز وأشخاصًا عبَّروا عن آرائهم على السوشيال ميديا. ووصل عدد المقبوض عليهم بتهم مرتبطة بالتعبير عن الدين أو المعتقد منذ بداية عام 2025 إلى 52 شخصًا موزعين على سبع قضايا مختلفة.

عن المعنى في المواثيق الدولية

منذ صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، والحرية الدينية جزء لا يتجزأ منه، شأن حرية التعبير والتجمع واختيار العمل، مع التأكيد على أن الأفراد هم أصحاب الحق، فالهدف ليس حماية دين معين أو مجموعة دينية معينة إنما حماية حقوق الأفراد ومعتقداتهم.

وفي ذات الوقت، لحرية الدين والمعتقد بُعد جماعي، حيث يتمتع المجتمع الديني، بوصفه جماعة، بحقوق معيَّنة، مثل الحصول على الاعتراف القانوني وتقرير ما يختص بالشؤون الداخلية، كاختيار القادة المناسبين، والحق في إنشاء المدارس الدينية، وفي تقديم الخدمات للعامة.

وتحمي المادة 18 من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية وتفسيراتها اللاحقة الديانات التوحيدية وغير التوحيدية، بل والأفكار الإلحادية، فلا يقتصر نطاق تفسيرها على الأديان السائدة فقط. كما يحظر الإكراه من قبيل التهديد باستخدام القوة الجسدية أو عقوبات جزائية، لإكراه المؤمنين أو غير المؤمنين على التمسك بمعتقداتهم الدينية وتجمعاتهم، أو للتخلي عن دينهم أو معتقدهم.

ويمكن القول إن إعلان القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين والمعتقد، والتعليق رقم 22 بخصوص المادة 18 الصادر في الدورة الثامنة والأربعين للجنة حقوق الإنسان 1993 حددا سبعة مضامين لهذا الحق كالتالي:

ـ١ حرية أن يَدين الشخص أو يعتنق أو يغير أي دين أو معتقد (الحرية الداخلية

٢ـ الحق في ممارسة دين أو معتقد ما (الحرية الخارجية)، ويشمل الحق في إظهار وممارسة والتعبير عن دين أو معتقد، سواء بشكل فردي أو جماعي مع الآخرين، علانية أو سرًا.

٣ـ عدم الإكراه، فليس لأحد الحق في إكراه آخر على اعتناق أي دين أو عقيدة أو التخلي عنها أو تبديلها.

٤ـ التحرُّر من التمييز: لا يجوز تعريض أحد للتمييز من قبل أي دولة، أو مؤسسة، أو مجموعة أشخاص، أو شخص على أساس الدين أو غيره من المعتقدات. ويقصد بالتمييز هنا أي تمييز، أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد، ويكون غرضه أو أثره تعطيل أو انتقاص الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على أساس من المساواة.

٥ـ حقوق الوالدين أو الأوصياء الشرعيين: يتمتع والدا الطفل أو الأوصياء الشرعيون عليه، حسب الحالة، بحق تنظيم الحياة داخل الأسرة وتنشئة الأبناء بما يليق مع دياناتهم ومعتقداتهم، على أن يتم ذلك وفقًا لنمو القدرات المتطورة للطفل.

٦ـ الحق في الحصول على الاعتراف القانوني للجماعات الدينية أو العقائدية، وأن تُمنح الصفة والشخصية القانونية، حتى تتمكن من تمثيل مصالح أعضائها فيما يخص حرية الدين أو المعتقد، على أن تطبق إجراءات هذا الاعتراف بطريقة غير تمييزية. ومع ذلك، يجب ألَّا يكون التسجيل إجباريًا، أي لا ينبغي أن يكون شرطًا مسبقًا لممارسة الشخص لدينه، ولكن فقط لاكتساب الشخصية الاعتبارية والمزايا ذات الصلة.

٧ـ الحق في الاستنكاف الضميري: تحمي حرية الدين أو المعتقد الناس من أن يُجبروا على التصرف عكس ما تمليه عليه ضمائرهم وقيم عقائدهم.

من خلال ما سبق، يتضح أن الفجوة هائلة بين حرية المعتقد التي تتضمنها المواثيق الدولية وتأخذ بها الدول التي تحترم حقوق الإنسان وبين ما تؤمن به وتطبقه بعض المؤسسات المصرية التي كانت عليها أن تلتزم بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان كما ورد في المادة 93 من الدستور، وأن تحول تصريحات رئيس الجمهورية الإيجابية وغير المسبوقة إلى إجراءات تنفيذية تقلل من اتساع هذه الفجوة وتضع في ذات الوقت حدًا لمعاناة قطاعات كبيرة من المصريين.

فلا يمكن الوفاء بالالتزامات المفروضة على الدولة بحماية وتعزيز حرية المعتقد في ظل الادعاء بأنها تعني فقط تحسين العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات والمعتقدات الأخرى، ومن دون إجراء تعديلات تشريعية وتنفيذية أساسية تضمن الحرية الدينية بمفهومها الواسع لكل إنسان بما تحمله من حريات الإعلان والتغيير والممارسة وعدم التمييز والتوقف عن الملاحقة بدعاوى الإساءة أو ازدراء الأديان.

_______________

هل مؤسساتنا جادة حقًا في ضمان حرية الاعتقاد؟

Recent Posts