مرصد الحق في عدم التمييز ـ
يواصل المواطن المصري روماني غريب عدلي عازر، وهو سائق سيارة أجرة وصانع محتوى كوميدي يبلغ من العمر 38 عامًا، البقاء رهن الاحتجاز منذ 18 يونيو/حزيران 2026، على ذمة القضية رقم 4832 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، وفقًا لمنظمة التضامن القبطي والمفوضية المصرية للحقوق والحريات.
وتعود القضية، بحسب رواية روماني التي نقلتها مصادر حقوقية وإعلامية، إلى واقعة في مطار القاهرة الدولي، قال إنه تعرض خلالها لمضايقة من أحد ضباط الشرطة، الذي طلب منه نقل شخص إلى داخل المطار. وبعد رفضه، أفاد بأن الضابط صادر بطاقة هويته ورخصة قيادته وتصريح خط سيره، ومنعه من دخول المطار.
ونشر روماني لاحقًا مقطع فيديو على حسابه في فيسبوك يشرح فيه ما حدث، ويطالب بإيصال شكواه إلى المسؤولين. وبعد يومين من نشر الفيديو، أُلقي القبض عليه، وفقًا للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، قبل أن يُعرض على نيابة أمن الدولة العليا.
ويواجه روماني اتهامات تشمل الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. كما أفادت تقارير بأن التحقيقات تناولت منشورًا ساخرًا سابقًا انتقد فيه ارتفاع أسعار البنزين، مستخدمًا صورة له على حمار للتعبير عن صعوبة تكاليف التنقل.
وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبسه الاحتياطي لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات، بحسب ما نقلته منصة «المنصة» عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات.
القـــراءة القانونيـــة والحقوقيـــة
تثير هذه القضية أسئلة أساسية بشأن الحق في الحرية والأمان الشخصي، وحدود استخدام الحبس الاحتياطي، ومدى التناسب بين الوقائع المنسوبة إلى المواطن والاتهامات الموجهة إليه.
فإذا كان توقيف روماني قد جاء على خلفية نشره شكوى من تصرف منسوب إلى أحد أفراد الشرطة، فإن ذلك يستدعي التحقق من مدى احترام حقه في التعبير عن شكواه، ومن وجود أساس قانوني وأدلة محددة تبرر اتهامه بجرائم خطيرة.
ولا يكفي أن تُدرج منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن ملف أمني حتى تصبح، بمجرد ذلك، دليلًا على ارتكاب جريمة إرهابية. بل يتعين فحص طبيعة المحتوى المنشور، والأفعال المحددة المنسوبة إلى المتهم، والأدلة التي تستند إليها الاتهامات، ومدى استيفاء شروط التجريم القانونية.
كما أن الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي، لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة تسبق المحاكمة أو إلى وسيلة لمعاقبة شخص على التعبير عن رأيه. ويجب أن يستند استمرار الاحتجاز إلى أسباب قانونية محددة، وأن يخضع لمراجعة قضائية فعالة، مع ضمان حق المتهم في الدفاع والاستعانة بمحامٍ.
وتكتسب القضية أهمية إضافية في ضوء ما أُثير بشأن الاستناد إلى منشور ساخر قديم ضمن التحقيقات. فالسخرية من السياسات العامة أو التعبير عن الاستياء من ارتفاع الأسعار لا يشكلان، في حد ذاتهما، دليلًا على الانتماء إلى جماعة إرهابية. ويظل التقييم القانوني مرتبطًا بمحتوى المنشور وسياقه والأدلة الفعلية، لا بمجرد كونه ناقدًا أو ساخرًا.
أما انتماء روماني إلى الأقلية المسيحية القبطية، فهو عنصر يستحق الانتباه ضمن رصد أوضاع الأقليات في مصر، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن احتجازه ناجم عن دينه. لذلك، ينبغي للمرصد التمييز بين ما هو موثق بشأن ظروف الاحتجاز والاتهامات، وما يحتاج إلى أدلة إضافية بشأن احتمال وجود تمييز ديني.
مــوقـــــف الــمــرصـــد
يرى مرصد الحق في عدم التمييز أن قضية روماني غريب تثير مخاوف جدية بشأن الحق في الحرية والأمان الشخصي، وحرية التعبير، والضمانات الواجبة في إجراءات الحبس الاحتياطي.
فالمواطن الذي يتعرض، بحسب روايته، لتصرف تعسفي من موظف عام يجب أن يتمكن من تقديم شكوى بشأنه والمطالبة بالتحقيق فيها، دون أن يتحول نشر الشكوى في حد ذاته إلى سبب لملاحقته باتهامات بالغة الخطورة.
ويؤكد المرصد أن هذه القضية لا تتعلق فقط بهوية روماني الدينية، بل بحق كل مواطن في الاعتراض على ما يراه تجاوزًا، وفي المطالبة بالمساءلة، وفي عدم حرمانه من حريته إلا وفق القانون وبضمانات قضائية فعالة.
كما يشدد المرصد على أن مكافحة الإرهاب لا تعفي السلطات من إثبات الأفعال المنسوبة إلى المتهمين، ولا تبرر توسيع الاتهامات الأمنية لتشمل التعبير السلمي أو السخرية من السياسات العامة دون أدلة محددة.
يطالب مرصد «الحق في عدم التمييز» السلطات المصرية بـ:
١ـ الإفراج عن روماني غريب إذا لم تتوافر أدلة قانونية كافية تبرر استمرار احتجازه، وإنهاء الإجراءات العقابية المرتبطة حصريًا بتعبيره السلمي عن شكواه أو آرائه.
٢ـ ضمان مراجعة قضائية فعالة ومستمرة لقرار حبسه الاحتياطي، والتحقق من ضرورة استمرار الاحتجاز وتناسبه مع الوقائع المنسوبة إليه.
٣ـ تمكينه من الاستعانة بمحامٍ، والتواصل مع أسرته، والاطلاع الفعلي على الاتهامات والأدلة التي تستند إليها النيابة.
٤ـ التحقيق بصورة مستقلة وفعالة في الشكوى المتعلقة بالواقعة التي حدثت في مطار القاهرة، بما في ذلك الادعاء بمصادرة وثائقه ومنعه من الدخول، إذا ثبتت هذه الوقائع.
٥ـ ضمان عدم استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب لملاحقة التعبير السلمي أو النقد والسخرية من السياسات العامة، ما لم تتوافر أدلة على أفعال تستوفي عناصر الجريمة المحددة قانونًا.
٦ـ ضمان حماية جميع المواطنين من التمييز، بما في ذلك على أساس الدين أو المعتقد، والتحقيق في أي مؤشرات موضوعية تدل على أن الانتماء الديني قد أثر في المعاملة أو الإجراءات القضائية.
ليس على المواطن أن يصمت عن شكوى حتى يثبت أنه يستحق أن يُسمع. فإذا شعر مواطن بأن موظفًا عامًا تجاوز صلاحياته، فإن الطريق الطبيعي هو التحقيق في الشكوى، لا أن يجد صاحبها نفسه أمام اتهامات أمنية خطيرة بسبب نشرها.
ولا يعني ذلك افتراض براءة كل متهم بمعزل عن الأدلة، كما لا يعني منح أي شخص حصانة من القانون؛ بل يعني أن الاتهام يجب أن يقوم على أفعال محددة وأدلة قابلة للفحص، وأن تظل الحرية هي الأصل، والحبس الاحتياطي استثناءً تبرره الضرورة القانونية.
روماني غريب مواطن له الحق في الشكوى، والحق في الدفاع عن نفسه، والحق في ألا يُحرم من حريته دون مسوغ قانوني كافٍ. ولهذه الاسـبـــــاب مجتمعة على السلطات إطلاق سراحه دون شرط او قيد.
__________________________________
مرصد الحق في عدم التمييز. مبادرة إقليمية مستقلة.
