هاني صبري (المحامي بالنقض) ـ وطني ـ
لم يعد النقاش حول الزواج العرفي أو الرسمي بالقاصرات مجرد جدل اجتماعي أو فقهي، بل بات مسألة قانونية جنائية خالصة، تتصل اتصالًا مباشرًا بحماية الطفولة وصون الحرية الجنسية، وتفرض على المشرّع والقضاء واجب المواجهة الصارمة دون مواربة أو تهاون.
فكل علاقة تُنشأ – أيًا كان مسماها – مع فتاة لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها، خارج الإطار القانوني الصحيح، لا تُعد زواجًا بالمعنى القانوني، وإنما عدوانًا جنائيًا مكتمل الأركان، تتوافر فيه أركان جريمة هتك العرض، وقد ترقى في بعض صورها إلى جريمة مواقعة أنثى بغير رضاها.
وقد حسم المشرّع هذا الأمر بنصوص آمرة، وأكدته محكمة النقض في العديد من أحكامها، قاطعة الطريق على كل محاولة لاحتماء الجاني بزواج عرفي باطل، أو التذرع بحسن النية أو الاستناد إلى مفاهيم مغلوطة عن الشريعة الإسلامية.
استقر التشريع المصري على حظر زواج من لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة، وهو حظر صريح يرتبط بالنظام العام، ولا يجوز الاتفاق على مخالفته أو التحايل عليه.
وقد قرر قانون الطفل رقم ١٢ لسنة ١٩٩٦ المعدل بالقانون ١٢٦ لسنة ٢٠٠٨، إلى جانب قانون الأحوال الشخصية، مسؤولية جنائية لكل من شارك أو سهّل أو أبرم أو وثّق هذا الزواج، باعتباره اعتداءً مباشرًا على حقوق الطفل وسلامته الجسدية والنفسية.
من المقرر قانونًا أن الزواج العرفي أو الرسمي من فتاة قاصر لا يُكسب العلاقة أي مشروعية جنائية، بل يشكّل في حقيقته جريمة هتك عرض مكتملة الأركان، كونه اعتداءً على الحرية الجنسية لمجني عليها لم تكتمل إرادتها القانونية.
وهتك العرض – وفقًا لقضاء النقض – هو كل فعل مخل بالحياء يستطيل إلى جسم المجني عليه وعوراته ويخدش عاطفة الحياء لديه، دون اشتراط ترك أثر مادي.
نظّم المشرّع جريمة هتك العرض في المواد ٢٦٨ و٢٦٩ من قانون العقوبات، حيث فرّق بين.
١- هتك العرض بالقوة أو التهديد – (المادة ٢٥٨) ويُعاقب عليه بالأشغال الشاقة من ثلاث إلى سبع سنوات، وتُغلظ العقوبة إذا كانت المجني عليها دون السادسة عشرة. أو كان مرتكبها ممن نص عنهم في الفقرة الثانية من المادة ٢٦٧ فيجوز إبلاغ مدة العقوبة إلى أقصى الحد المقررة للأشغال الشاقة المؤقتة .وإذا اجتمع هذان الشرطان معا يحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة.
٢- هتك العرض دون قوة أو تهديد – المادة ٢٦٩ ويكفي فيها وقوع الفعل على صبي أو صبية لم يبلغ أيهما الثامنة عشرة، ولو برضاهما، لأن الرضا في هذه الحالة منعدم قانونًا.
كما نظّم الباب الرابع من قانون العقوبات – بدءًا من المادة ٢٦٧ – الجرائم المتعلقة بهتك العرض ومواقعة الأنثى، وقرّر عقوبات مشددة تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد في حال توافر ظروف مشددة، منها صغر سن المجني عليها أو صلة الجاني بها.
جدير بالذكر إن التحايل بالزواج العرفي أو الرسمي لا ينفي الجريمة إذا استغل المتهم الظروف الاجتماعية أو الصحية لفتاة قاصر، وأوهمها بالزواج وعاشرها على هذا الأساس، فإنه يكون قد ارتكب جريمة هتك عرض المعاقب عليها بالمادة ٢٦٩ /١ عقوبات وجريمة تعريض طفل للخطر طبقًا للمادتين ( ٢ و١١٦ ) مكرر من قانون الطفل.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن الزواج الباطل لا يُعد سببًا من أسباب الإباحة، ولا ينفي المسؤولية الجنائية، ولا يُضفي على الفعل صفة المشروعية.
ولا يُقبل الدفع بتوافر سبب من أسباب الإباحة استنادًا إلى المادة ٦٠ من قانون العقوبات، التي تنص على أنه لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة. إلا أنه من المستقر عليه فقها وقضاء: لا يعفي زواج عرفي أو رسمي باطل من مسؤولية جريمة هتك عرض القاصر. لأن إعمال تلك المادة مشروط بأن يكون الفعل مستندًا إلى حق مقرر بمقتضى قانون نافذ. وأن الأعراف الفاسدة أو القواعد الملغاة أو التفسيرات المخالفة للنظام العام لا تصلح سندًا للإباحة.
وقد حظر المشرّع صراحة زواج القاصرات، مما يقطع بعدم جواز التذرع بأي حق شرعي أو عرفي مزعوم.
وحتى على فرض الاحتجاج بأحكام الشريعة الإسلامية، فإن الزواج العرفي بالقاصر يكون باطلًا إذا افتقد الولي الشرعي وشاهدي عدل والمهر المعلوم والصيغة الصحيحة.
وقد استقر الفقه الإسلامي على القاعدة القطعية «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» و «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل» والتكرار اللفظي للتأكيد على البطلان، لا سيما في شأن البكر القاصر.
توافر أركان جريمة هتك العرض
أ – الركن المادي: يتحقق بكل فعل مخل بالحياء يمس عورة المجني عليها، ومعاشرتها معاشرة الأزواج وهي قاصر.
ب – الركن المعنوي: يتوافر بانصراف إرادة الجاني إلى الفعل مع علمه بسن المجني عليها وطبيعة ما يرتكبه ولا يُشترط لقيام الجريمة ترك أثر جسدي أو استعمال قوة أو تحقق نتيجة معينة.
إن حماية الطفولة ليست خيارًا تشريعيًا، بل التزامًا دستوريًا وأخلاقيًا، وأي تهاون في مواجهة جرائم الزواج بالقاصرات يُعد تقويضًا لهيبة القانون وتهديدًا مباشرًا لبنية المجتمع.
ومن ثم، فإن إنزال العقاب الرادع بكل من تسوّل له نفسه ارتكاب هذه الجرائم البشعة، تحت أي ستار أو مسمى، هو الضمانة الحقيقية لتحقيق الردع العام والخاص، وصون كرامة الإنسان، وحماية مستقبل أجيال بأكملها.
https://www.wataninet.com/2026/01/الزواج-العرفي-بالقاصرات-باطل-وجريمة-
