In In Arabic - بالعربي

حنان فكري ـ وطني

حضرت حرية العقائد والبحث عن سبل للتعايش رغم الاختلاف ضمن قضايا الأسبوع رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب الحروب والأمن. وكشفت ملفات من ميانمار والساحل الأفريقي وأفغانستان ولبنان عن تصاعد الكراهية والنزوح والقتل بسبب الهوية الدينية. فالصراع ليس فقط على الأرض والحدود، وإنما على حق الإنسان في أن يعيش ويعبد وينتمي، دون أن يصبح اختلافه سببًا للقتل أو النفي أو الإقصاء.

وضعت كلمة الكاردينال بييترو بارولين، رئيس وفد الكرسي الرسولي، الحرية الدينية في إطار يتجاوز الدفاع عن جماعة بعينها. وأكد أن المسيحيين في مناطق مختلفة يتعرضون للتمييز والعنف والاضطهاد، وأن حرية الدين حق إنساني أصيل، لا حق ثانوي ولا امتياز تمنحه السلطة؛ فحماية حرية جماعة دينية واحدة تعزز، في النهاية، حرية الجميع.

الوجود المسيحي في لبنان والشرق الأوسط

ينظر الكرسي الرسولي إلى الوجود المسيحي في لبنان والمنطقة باعتباره امتدادًا تاريخيًا أصيلًا ومكونًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمشرق، لا مجرد جماعة تبحث عن الحماية. ولذلك ربط بارولين بين استقرار لبنان واحترام سيادته وحدوده والحفاظ على تنوعه الديني. فانحسار أحد مكونات هذا التنوع لا يعني تراجع أعداد جماعة فحسب، بل خسارة جزء من هوية المنطقة، ومكون قادر على الإسهام في السلام والثقافة والتعايش.

ورفض الكرسي الرسولي اختزال الاضطهاد الديني في قضية طائفية منفصلة. فالإنسان الذي يغادر أرضه بسبب الحرب أو الفقر أو الاضطهاد لا يفقد كرامته، لكن معالجة نتائج النزوح لا تكفي ما دامت أسبابه قائمة. ومن هنا ربط بارولين حماية الوجود المسيحي بحرية الدين وحقوق الإنسان والقانون الدولي، وبقدرة الأمم المتحدة على استعادة الثقة. وبهذا تصبح حماية المسيحيين دفاعًا عن التعددية نفسها.

وحذر من عودة «دبلوماسية القوة»، مؤكدًا أن الأمن لا يقوم على الردع والتفوق العسكري وحدهما، وأن القانون الدولي الإنساني لا يجوز إخضاعه للحسابات العسكرية. وطالب بوقف العنف في غزة ودعم حل الدولتين، وإعادة الاعتبار للتفاوض ونزع السلاح وحماية المدنيين، وصون الوجود التاريخي للمسيحيين في لبنان والشرق الأوسط.

وبينما تنشغل القوى الكبرى بموازين الردع وشروط التسوية، ذكّر الكرسي الرسولي بأن سقوط المدنيين ونزوحهم واختفاء التنوع الديني ليست هوامش للحرب، بل جزء من ثمنها الحقيقي. فأزمة النظام الدولي أزمة قيم، بقدر ما هي أزمة مؤسسات.

لبنان نقطة ارتكاز

رحّب بارولين باتفاق الإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، معربًا عن قلقه من صعوبات تنفيذه، ومشددًا على احترام السيادة والحدود كأساس لسلام دائم. فاستقرار لبنان ليس مسألة أمنية فقط، بل شرط للحفاظ على تنوعه التاريخي وعلى الوجود المسيحي فيه وفي المنطقة.

وأكدت هذه الرؤية ضرورة معالجة أسباب الهجرة القسرية، حتى تصبح المغادرة اختيارًا لا نتيجة للحرب أو الفقر أو الاضطهاد. فحماية السكان لا تقتصر على مساعدتهم بعد النزوح، وإنما تشمل ضمان قدرتهم على البقاء في وطنهم بحقوق وكرامة وأمان.

داعش واستهداف الكنائس

في الساحل الأفريقي، يعيد الإرهاب رسم الخريطة بالدم. فقد سجلت المنطقة خلال ٢٠٢٥ أكثر من نصف وفيات الإرهاب عالميًا، وارتفعت هجمات داعش في أفريقيا جنوب الصحراء إلى ٢٢١ هجومًا، مقابل ١١١ في العام السابق. وفي النيجر ارتفعت الوفيات المنسوبة إلى التنظيم من ١٠٨ إلى ٤١٦، وفي نيجيريا من ١٦٦ إلى ٣٨٤.

وفي الكونغو الديمقراطية، قتل التنظيم وفروعه ٤٦٧ شخصًا خلال العام نفسه، بينهم ٤٤٧ مدنيًا. وطالت الهجمات قرى وكنائس ومستشفيات ومراسم جنائزية، كما قُتل ما لا يقل عن ٧٠ مسيحيًا في هجوم آخر بشمال كيفو. وتكشف هذه الوقائع أن استهداف الهوية الدينية يتداخل مع انهيار الأمن وعجز الدولة عن حماية المدنيين.

مواجهة جذور التطرف

لم يكتفِ الكرسي الرسولي بالتحذير من تمدد الجماعات الجهادية من الساحل نحو دول خليج غينيا، بل دعا إلى تنمية المناطق الحدودية وتعليم الشباب وتعزيز التماسك الاجتماعي والحوار بين الأديان، والاستفادة من المؤسسات الدينية في الوقاية من التطرف.

فالجماعات المتطرفة تستغل ضعف الدولة والمجتمع معًا. وحيث تغيب الخدمات والتعليم والفرص، تستطيع أن تقدم نفسها بديلًا للسلطة ومصدرًا للانتماء. لذلك لا يكفي الرد العسكري وحده: فقد تقتل عملية أمنية مسلحًا، لكنها لا تبني مدرسة، ولا توفر عملًا، ولا تعيد الثقة بين المواطن والدولة. ويظل الانتصار هشًا إذا بقيت البيئة التي أنتجت التطرف.

ورغم التراجع النسبي للإرهاب عالميًا في ٢٠٢٥، انتقل مركز ثقله نحو أفريقيا جنوب الصحراء. ففي بوركينا فاسو نفذت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» أكثر من ٨٠٪ من الهجمات الإرهابية المسجلة، وأوقعت ٧٥٥ قتيلًا، فيما رصد مؤشر الإرهاب العالمي تمددها نحو بنين وتوغو وساحل العاج.

والمفارقة أن العالم يناقش الذكاء الاصطناعي والأسلحة المستقبلية، لكنه يعجز عن إغلاق منابع التطرف القديمة: الفقر والتهميش وغياب الدولة وانهيار الثقة. والسؤال ليس فقط كيف نواجه الإرهابي، بل كيف نمنع طفلًا آخر من الانضمام إليه، وقرية أخرى من احتضانه، وكنيسة أخرى من التحول إلى مقبرة؟

الروهينجا

عادت مأساة الروهينجا إلى قلب النقاش الأممي، بعدما تحول النزوح إلى حياة كاملة خارج الوطن. وبعد تسع سنوات من موجة الفرار الكبرى، لا يزال نحو ١٫٢ مليون روهينجي في بنجلاديش. وتؤكد الأمم المتحدة أن شروط العودة الآمنة والطوعية والكريمة والمستدامة لم تتوافر، بينما تتراجع موارد المساعدات.

والروهينجا جماعة مسلمة تتركز تاريخيًا في ولاية راخين غرب ميانمار، تعرضت لعقود من التمييز والقيود على الحركة والخدمات. وفاقم قانون الجنسية لعام ١٩٨٢ أزمتها بحرمان معظم أفرادها فعليًا من الجنسية. ثم دفعت الحملة العسكرية العنيفة في أغسطس ٢٠١٧ أكثر من ٧٥٠ ألفًا إلى الفرار، هربًا من القتل والحرق والاضطهاد، في وقائع وثقتها الأمم المتحدة بوصفها انتهاكات جسيمة.

والتقت دعوة الكرسي الرسولي مع المطالب الدولية بالعودة واستعادة الحقوق؛ فلا يجوز أن يعتاد العالم مأساة ممتدة، حتى يصبح ضحاياها مجرد أرقام في بنود المساعدات.

أفغانستان: شرعنة الاضطهاد

في أفغانستان، ظهر الاضطهاد بصورة أخرى: التشريع نفسه. فقد ناقشت اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية في ٢٣ سبتمبر أوضاع الحرية الدينية بعد خمس سنوات من عودة طالبان، مشيرة إلى قانون جنائي جديد في ٢٠٢٦ يحدد المسلمين السنة وحدهم بوصفهم مواطني أفغانستان، وإلى قيود شديدة تواجه الشيعة والإسماعيلية والمسيحيين والهندوس.

هنا يتجاوز السؤال حرية العبادة إلى المواطنة ذاتها، حين تصبح العقيدة معيارًا لتحديد الحقوق. فالاضطهاد لا يأتي فقط من مسلح في الشارع، بل قد يدخل النص القانوني، ويحوّل الهوية التي ينبغي حمايتها إلى سبب للإقصاء.

الحريات الدينية

في الاتجاه المقابل، طرح الاجتماع رفيع المستوى لمجموعة أصدقاء تحالف الحضارات، المنعقد في ٢٥ سبتمبر، حماية التعايش ومواجهة الكراهية والعنصرية والإسلاموفوبيا. وشددت قطر على التعليم وتمكين الشباب والفرص الاجتماعية والاقتصادية، فيما دعا وزير الدولة السعودي عادل الجبير إلى الحوار واحترام الأديان وحماية المواقع الدينية والتراث الثقافي. كما طُرحت التكنولوجيا والفضاء الرقمي وسيلتين للتقارب بدل تعميق الانقسام.

وفي نيويورك أيضًا، دعا رئيس أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في أمريكا، إلبيدوفوروس، خلال عشاء مؤسسة «نداء الضمير» في ٢٣ سبتمبر، إلى الدفاع عن الحرية الدينية وحقوق الإنسان والكرامة والاحترام المتبادل.

تلتقي هذه الملفات عند سؤال واحد: ماذا يبقى من السلام إذا لم تحمِ القوانين هوية الإنسان وحقه في الحياة والوطن؟ فحماية التنوع ليست قضية جانبية، ومواجهة الإرهاب لا تبدأ دائمًا بملاحقة المسلح، والسلام لا يتحقق بمجرد إسكات السلاح.

ولا يكفي الحديث عن التعايش بعد سقوط الضحايا، أو العودة بعد أن يقضي جيل طفولته في المخيمات. تبدأ شروط السلام قبل العنف: بدولة حاضرة، وقانون عادل، وتعليم متاح، وحقوق متساوية، واختلاف مقبول. عندها يمكن للدين أن يكون جزءًا من نسيج المجتمع وجسرًا للسلام، بدل أن يتحول إلى ساحة للصراع.

_________________

Read full text at:

https://www.wataninet.com/2026/10/%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-

Recent Posts