In In Arabic - بالعربي

إنجى سامي ـ وطني ـ

المدرسة هي المساحة الأولى التي يتعلم فيها الأطفال كيف يعيشون معًا. داخل الفصل يجلس أطفال مختلفون في خلفياتهم وأسرهم وبيئاتهم، لكنهم يشتركون في تجربة واحدة: التعلم جنبًا إلى جنب، وتكوين صداقات، واكتشاف العالم. في هذه المساحة المشتركة تتشكل أولى ملامح فهم الطفل للآخرين وللمجتمع.
لكن في لحظة معينة من اليوم الدراسي يحدث العكس، حين تأتى حصة الدين، ينقسم الفصل. يبقى بعض الطلاب في أماكنهم بينما يغادر آخرون. قد يبدو الأمر إجراءً إداريًا بسيطًا، لكنه في الواقع يحمل رسالة غير مباشرة للأطفال: أن هناك حدودًا بينهم.

وفى هذا السياق أتفق مع ما كتبه الدكتور بهي الدين مرسى في مقالة له حين وصف هذه اللحظة بدقة مؤثرة، قائلاً: «جرس حصة التربية الدينية يرن، وفى تلك اللحظة يعرف الطفل لأول مرة أن اسمه ووجوده مرتبطان بمكانه داخل أو خارج الفصل… لحظات قصيرة تحمل شعورًا بالانعزالية والتهميش».

الطفل في سنواته الأولى لا يفكر في العقائد أو الاختلافات اللاهوتية، لكنه يفهم جيدًا معنى أن يفصل عن أصدقائه. عندما يغادر بعض الأطفال الفصل بينما يظل الآخرون، يتعلم الطفل درسًا مبكرًا عن الاختلاف قد لا يكون ضروريًا في هذه المرحلة من عمره. هكذا تتحول لحظة دراسية عادية إلى تجربة قد تزرع إحساسًا بالفصل بدلاً من المشاركة.

الحقيقة أن تعليم الدين لا يحتاج إلى المدرسة ليبقى حاضرًا في حياة الأطفال. فالمجتمع المصري مليء بالمساجد والكنائس المنتشرة في كل حي وقرية. هذه الأماكن هي الأكثر قدرة بطبيعتها على تقديم التعليم الديني المرتبط بالعقيدة والشعائر. هناك يتعلم الطفل دينه في بيئة مخصصة لذلك، وعلى يد أشخاص متخصصين في هذا المجال.

أما المدرسة فدورها مختلف. المدرسة ليست مؤسسة دينية، بل مؤسسة تعليمية تجمع الجميع. ولهذا يمكن أن يكون دورها الأهم هو تعليم القيم التي يتفق عليها الجميع: الصدق، والاحترام، والعدل، والتعاون، والمسئولية، والرحمة.

هذه القيم لا تخص دينًا واحدًا، بل تشترك فيها الأديان والثقافات. وعندما يتعلمها الأطفال معًا داخل الفصل نفسه، دون تقسيم أو فصل، فإنهم يكتسبون شيئًا أهم من المعرفة النظرية: تجربة العيش المشترك.
التعليم في هذه الحالة لا يصبح مجرد تلقين للمبادئ، بل ممارسة يومية لها. يتعلم الطفل احترام الآخر لأنه يجلس بجواره ويتعاون معه ويتشارك معه الدرس نفسه. ويكبر وهو يرى أن ما يجمعه بزملائه أكبر بكثير مما قد يفرقهم.

المجتمعات لا تبنى فقط بالقوانين، بل أيضًا بالعيش المشترك، والمدرسة واحدة من أهم الأماكن التي تصاغ فيها هذه التجربة المبكرة. فإذا كانت المدرسة مساحة مشتركة حقًا، فمن الطبيعي أن تعلم ما يجمع الأطفال لا ما يفصل بينهم.

قد يكون من المفيد أن نفكر في الأمر من زاوية مختلفة: ليس باعتبار إلغاء حصة الدين، ولكن باستبدالها بحصة المواطنة باعتبارها خطوة نحو إعطاء تلك الحصة دورها الطبيعي. فتصبح دور العبادة لتعليم العقيدة، والمدرسة لتعليم القيم التي تجمع أبناء المجتمع.

وعندما يتعلم الأطفال القيم نفسها داخل الفصل الواحد، دون أن يقسموا بحسب انتماءاتهم الدينية، فإنهم يتعلمون منذ البداية درسًا بسيطًا لكنه عميق: أن العيش المشترك ليس فكرة نظرية، بل تجربة يومية معاشة تبدأ من مقاعد الدراسة.

https://www.wataninet.com/2026/03/%D8

Recent Posts